الأربعاء، 14 مارس، 2012

البلطجة .. أحيانًا ضرورة

إن معطيات كل زمن تختلف عن الآخر ، والأريب اللبيب من يقطف من كل بستان زهرة ويجعل من شخصيته مثالية أو قريبة من المثالية ولا ضير في ذلك ، فإذا كان في الماضي قد قالها عمر - رضي الله عنه - : "لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني" ومعنى الخب أي المخادع واقرأ العبارة مرة أخرى لتدرك المقصود ، ففي هذا العصر فإني أقول : "لستُ بالبلطجي ولا البلطجي يغلبني" .
لا أخفيكم سرًا .. جاءتني فترة من حياتي - والحمد لله أنها كانت قصيرة - حاولت أن أتشبه وأن أتمثل بأخلاقيات البلطجة ، فكنت مثلًا .. أقود السيارة بسرعة وتهور وفي حال اعتراض أحدهم بمنبه سيارته فمصيره وابلٌ وطير أبابيل من منبه سيارتي الياباني الذي لا يتغلب على صوته أحد في الإزعاج والإخراس ، وإذا لوّح لي أحدهم بيده مستنكرًا فإني ألوّح له بكلتي يديه ، وإذا سدد لي بعض الكلمات فإني أفتح نافذتي وأفتح قواميس العالم كلها وأحشرها في أذنه لكي يمضي مختتما كلامه بعبارة - الله يهديك - وهذا الدعاء الذي يبدو في طياته الطيبة إلا أنه علامة أن المقابل أراد أن يفر بجلده من البركان الذي واجهه. حقيقةً .. لم أكن أمزح في وصف ما جرى بل في أحد المرات دخلت على محل لأبتاع شيئًا فرفع البائع صوته عليّ بدون مبرر ليفاجأ بشياطيني وقد حوّطت المكان فما كان منه إلا أنه قد طلب مني تقبيل رأسي ليلملم شتات الموضوع .
بعد أن أنهيت كورس البلطجة ، قررت أن أرجع لحياتي الطبيعية مخلوق أليف ووديع ، وواجهتني بعدها مواقف كثيرة لم أملك خيارًا حينها إلا استخدام السلاح الكامن "البلطجة" ، ومع الأسف نجحت في تجاوزها ، مع الأسف الناس تحترم وتقدر وتخاف من ظل ذلك المشاغب العفريت أبو اللسان الطويل ، مع الأسف حتى في بعض الدوائر الحكومية لن تخلص معاملاتك إلا إذا استخدمت عضلات حنجرتك ، مع الأسف حتى في مشفانا الحكومي استخدمت ذلك السلاح .
يا ليتنا استفدنا من تعاليم المدرسة المحمدية وأصحابه ، حيث لا صوت يعلو على الحق ، ذلك الحق الأبلج ، والباطل مهما تلون وتزوغ فسيبقى متلجلجًا .
نشرت في جريدة اليوم الأربعاء 21 ربيع الثاني 1433 هـ / 14 مارس 2012 م - العدد 14152

هناك 12 تعليقًا:

... سعد الحربي ... يقول...

أستاذ محمد

لازلت تشوقنا لقراءة كلامك وأسلوبك


أثريك كنت عربجي وراعي مشاكل هههههه

فعلاً أستاذنا هناك بعض الظروف قد نحتاج لأسلوب قوي لنتعامل مع من أمامنا "إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب"
ومن كان له حيلة فليحتال
لكن ليس دائماً

وأعتقد أن المسألة ترجع لشخصية الإنسان وطبيعته وفكره عن الحياة وقناعاته عن نفسه وعن الآخرين.
وفي ضوئها يتعامل مع من حوله.

موفق أخوي.

محمد سعد القويري يقول...

الأخ الفاضل :: سعد الحربي ::
مرحبًا بك أيها الحبيب ..
قلت كلامًا جميلًا
أتفق مع معظمه
وصدقني يا خوي في بعض الأماكن ما تمشي معاملاتك إلا بقليل من البلطجة ،،)
أحلى الأماني

Nasimlibya `√ يقول...

السلام عليكم
استاذ محمد وكأني بك تصف احوال تعمم ع كل البلدان ... ليست حكرا ع مجتمع بعينه


كلما زادت بلطجتي زاد احترام الناس لي
الاحترام = الخوف
هناك من يعجبه هذا الدور لانه يعطيه مساحة كبيرة لا بأس بها من تمرير طلباته وأحيانا اخد حقوقه....


ومثل ما قلت بعض الشباب ف مرحلتهم العمرية تمر بهم هذه التصرفات ...وكاني بهم يقولون للجميع نحن هنا نحن كبرنا.... ولكنها سرعان ما تنتهي وارجو ان تكون ع خير ....


للاسف فى بعض الدوائر الحكومية وكأني بهم يطالبون بلبطلجة لاتمام المعاملات وتسليم الحقوق لاصحابها

مثلا لا غير دفتر شيكات .. عليك ان تملي بيانتك لتطلب باخر جديد وها قد اقارب 6 اشهر لاستلمه ولكن مواطن اخر اصبح يصيح ويخاطب الموظفين بصوت عالى وما كان الا ان ادخلوه لمكتب (( يبدو ع معرفة به )) وقد جهزو له واحد !!


أكره سياسة الصوت العالى ... إن كان بعمد واصرار مسبق ..



موضوعك يمسنا جميعا و متوفر فى نواحي الحياة

دمت بخير ودام الاهل كذلك (( و بعيداااااا عن البلطجة الاختيارية والاجبارية ان شاء الله ))

غير معرف يقول...

يعطيك العافية أيها البلطجي السابق..
فعلا مقال يستحق القراءة...

أبوعبدالرحمن الجمعان

محمد سعد القويري يقول...

الأخت الفاضلة :: نسيم ليبيا ::
وعليكم السلام ورحمة الله
وبركاته
أشكرك جدًا على هذا المقال الرائع
والذي يستحق أن يكون مكان مقالتي
حقيقة ما كتبتيه كان يجول في خاطري
لكنك أحسنت التعبير عنه
حفظك الله وليبيا من كل سوء ..)

محمد سعد القويري يقول...

الأخ الفاضل :: أبو عبدالرحمن الجمعان ::
الله يعافيك
وشاكر لك مرورك
منور ..)

آرثـر رامبـو يقول...

مررررررحبا

والله صدقت
البعض ما يمشون إلا بالعين الحمرا ... بالرغم من امتلاكنا كل اساليب الإقناع

موفق

عبير علاو يقول...

يا ليتنا استفدنا من تعاليم المدرسة المحمدية وأصحابه ، حيث لا صوت يعلو على الحق ، ذلك الحق الأبلج ، والباطل مهما تلون وتزوغ فسيبقى متلجلجًا .\

يا ليتنا

يااااااااااااليت

محمد سعد القويري يقول...

الأخ الفاضل :: آرثر رامبو ::
مرررراحب
العين الحمراء خيار لطيف ،،)
أطيب الأمنيات

محمد سعد القويري يقول...

الأخت الفاضلة :: عبير علاو ::
أسعد الله أوقاتك بكل خير
وأنا أقول بعد
يا لييييت
أرق التحايا

تركي الغامدي يقول...

تحياتي أخي الوفي أبا سعد ... كم هو جميل أن تشير إلى صفحة طويت من حياتك بأسلوب ساخر وهذا منتهى الاعتراف بخطأ مر وعبر بك إلى بر الأمان بحمد الله تعالى ... ولعلي أشير إلى البلطجة الفكرية والتي أضحت هي السائدة عبر وسائل الإعلام المختلفة فبقدر ماكان أحدهم بلطجياً كثر الأتباع والمتابعون ... والبلطجة الفكرية ليست كلها سب وشتم وغير ذلك .. هناك البلطجه الناعمة وهي الأشد فتكاً لأنها تستخدم نفس النص لترهيبك ، كما تستخدم نفس القانون لإخافتك ... وتستخدم نفس الطرح لتقزيمك ... ويشترك فيها من يتدثر بلجباب التدين وروب المحاماة وبشت المنصب وكرافتة المراسل التلفزيوني ... فكفانا الله تعالى وإياك شر البطلجة والبلطجية ... سعدت بما قرأت راجياً لك التوفيق دوماً .

مَــْهَآ,, يقول...

أخي محمد :
مقال ظريف جداً وقد أضحكني صراحة وبمناسبة الموضوع أجد أننا نحتاج لهذه الخصلة في دوائر معينة لنثلج قلوبنا.. بالرغم من سرعة غضبي فإني أغضب بصمت وأنسحب لكي لا أجلب العيد مطبلاً..

بوركت..