الخميس، 31 ديسمبر 2009

إمبراطورية الصمت - قصة قصيرة

نشرت في جريدة اليوم الخميس 1431-01-14هـ الموافق 2009-12-31م / العدد 13348 السنة الأربعون
سأحدثكم عن إمبراطورية غريبة مألوفة ،
نادرة منتشرة ..
إمبراطورية !!
الصمت فيها مقدم والصمت فيها مؤخر ..
الصمت فيها مبتدأ والصمت فيها خبر ..
نزار ذو الثمان سنوات نموذج لطفل عاش في هذه الإمبراطورية ، تقول القصة :
ركب نزار السيارة ليذهب إلى المدرسة ، وفي الطريق كان يتحدث بصوتٍ عالٍ ويمزح مع أخته الصغرى بيان ، إلا أن أبيه الذي لم يكن له مزاج على الصبح نهر نزار ليصمت ، وبالفعل استجاب لأمر والده ..
دخل نزار المدرسة .. صفّ في الطابور ، وأمامه كان زميله حسان ، نزار يحب حسان كثيرًا ، تناولا أطراف الحديث والابتسامة تعلو وجهيهما ، لكن مدرس الإذاعة أشار إليهما بسبّابته مهدّدًا ومحذّرًا إياهما الاستمرار في الحديث .. صمت نزار من جديد ..
رنّ جرس الحصة الأولى .. وقبل أن يدخل المدرس ، كان الفصل مثل خلية النحل ، أحاديث وابتسامات ما قطعها إلا ظهور معلم تخلو وجهه من أية معالم ، فلا تعرف هل هو سعيد أم حزين ؟ غضبان أم حيران ؟وجهٌ مخيف .. الرسالة الوحيدة التي تفهمها من تلك التحفة الأثرية .. أن الكلام ممنوع ..
انتهى اليوم الدراسي ، وبعد ما يقارب الست ساعات من الصمت ، تناوب عليها عدد من المدرسين كلٌّ منهم رسالته واحدة ( الصمت للجميع ، وأنا أتكلم ) ، وكأن كلامهم وحيٌ من السماء !!
فتح نزار باب المنزل ، ومع فتحه لباب المنزل أخذ يفتح الأقفال التي على فيه .. فانطلق مع أخته بيان يلعبان ويمرحان في المنزل وأطلقا للسانيهما العنان والحرية ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فإذا بصوت أمهما يشق حريتهما :" نزار .. بيان .. ما هذا الإزعاج ؟ أخوكما الصغير بالكاد نام الآن !!" . صمت نزار من جديد وغيّمت سماه مرّة أخرى ..تذكر نزار أخاه الصغير ، فتساءل في نفسه :ما الفرق بيني وبينه ؟ هو لا يعرف الكلام لذلك هو صامت !!اما أنا فأعرف الكلام وأيضًا أنا صامت ؟أظن بأن أخي الصغير أفضل حالاً مني ، فعلى الأقل هو يستطيع أن يعبّر عن نفسه بالبكاء والصراخ ..
صلاة العصر ..انطلق نزار ليصلي في المسجد ، جلس في الصف الثاني ، وتفاجأ بوجود حسان بجانبه ، تحدّثا بعفوية الأطفال ، نظر إليهما رجلٌ عجوز من الصف الأول ، تابعا حديثهما بحماس وببراءة ، هنا انفجر فيهما العجوز :( أنتما الاثنان ، ألا يمكنكما الصمت إلى أن تخرجا من المسجد ؟ هل تلقيتما أيّة تربية ؟ أشك في ذلك !! أزعجتما المصلين ؟ .. أيها .. إنكما ... وأنتما .............. ) ..صمت نزار ، وابتلع الكتلة اللحمية التي يطلق عليها الناس اللسان .
وبعد أن كان نزار يتفجر حيوية ونشاطًا ، أصبح الآن سلبيًّا ويكره كل شيء ..
وفي مادة العلوم ..كان المدرس يصحح أوراق الطلاب ، فأوقفت حركته وشلّته إجابة نزار ..
كان السؤال : ما هي وظيفة كل من الأعضاء التالية :1
- اللسان : .....................
فكانت إجابة نزار :
اللسان / عضوٌ لحميٌّ زائد لا فائدة له ، يغضب أبي وأمي والمعلمون وحتى عجوز المسجد إذا استخدمته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لإتحافنا بآرائكم وتعليقاتكم انقر هنا إمبراطورية الصمت